مركز الدكتور براء منذر كمال للبحوث والدراسات القانونية

موقع قانوني متخصص

أهلاً وسهلاً بكم في مركز الدكتور براء منذر كمال للبحوث والدراسات القانونية

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

دعوى مسئولية الدولة عن اعمالها الضارة الجزء 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

دعوى مسئولية الدولة عن اعمالها الضارة
في القانون الجزائري والمقارن


الدكتور رياض عبد عيسى الزهيري

أستاذ في القانون العام



استقرت الاتجاهات الحديثة في العديد من الدول على وجوب مسئولية الدولة عن أعمالها الضارة . غير ان الوصول الى مثل هذا الموقف لم يكن يسيرا بل مر بعقبات كثيرة تم من خلالها تحطيم القاعدة القديمة التي تنفي المسئولية عن الدولة وهيئاتها المختلفة تطبيقا للفكرة المطلقة لسيادة الدولة والتي ترى ان السيادة والمسئولية لايجتمعان . الا ان التغيير الذي طرأ على فكرة السيادة ولاعتبارات كثيرة تم الاعتراف بهذه المسئولية في أغلب التشريعات المعاصرة وان كان هذا الاعتراف محدودا في بعض هذه التشريعات .

أن دراسة دعوى المسئولية تستلزم بيان الشروط اللازمة لقبولها شكلا أمام الجهة القضائية المختصة ، ومتى توفرت هذه الشروط يبدأ القاضي بالفصل في الموضوع . لهذا فأن دراسة هذه الدعوى سيكون على النحو التالي :

البند الاول – الشروط اللازمة لقبول الدعوى

البند الثاني – نطاق مبدأ مسئولية الدولة

البند الثالث- أساس مسئولية الدولة

البند الرابع – الضرر وجزاء المسئولية

البند الاول

الشروط اللازمة لقبول الدعوى



بموجب الاحكام المنظمة للاختصاص القضائي في الجزائر فأن الغرف الادارية على مستوى المجالس القضائية تختص بالفصل في دعاوى المسئولية التي يكون أحد أطرافها : الدولة، الولاية ،البلدية ،المؤسسة العامة ذات الطابع الاداري ، وأن ألاحكام القضائية الصادرة عن هذه الغرف تكون قابلة للطعن بالاستئناف أمام الغرفة الادارية في المحكمة العليا تطبيقا لاحكام المادة السابعة من قانون الاجراءات المدنية لعام 1966 والمعدلة بموجب قانون رقم 90-23 "1". غير ان تحريك دعوى المسئولية أمام تلك الغرف الادارية يشترط توافر الشروط التالية لقبولها شكلا . ونتناول هذه الشروط على النحو التالي :

أولا- وجوب رفع الدعوى عن طريق الطعن في قرار اداري

اشترطت المادة (169 مكرر) من قانون الاجراءات المدنية المعدل بموجب قانون رقم 90-23 المشار اليه سابقا وجوب رفع الدعوى التي يتقدم بها أحد الافراد الى الغرفة الادارية بالمجالس القضائية عن طريق الطعن بقرار اداري حيث نصت على أنه (( لايجوز رفع الدعوى الى المجلس القضائي من احد الافراد الا بطريق الطعن في قرار اداري )). أن هذا النص جاء بقصد تلافي المشاكل المعقدة التي أثارتها المادة المذكورة قبل سريان التعديل أعلاه .ولغرض بيان الاختلاف بين النص القديم والنص المعدل للمادة اعلاه نحاول دراسة محتوى النصين والاثار الناشئة عنهما بقصد ابراز أوجه الخلاف والتشابه.

محتوى النص الاول للمادة 169 مكرر وأثاره

------------------------------------------:- تنص المادة أعلاه قبل تعديلها على مايلي (( لا يجوز رفع الدعوى الى المجلس القضائي من أحد الافراد الا بطريق الطعن في قرار اداري ولايقبل هذا الطعن الا اذا سبقه طعن عن طريق التدرج الرئاسي يرفع أمام السلطة الادارية التي تعلو من أصدر القرار مباشرة أو طعن ولائي يوجه الى من أصدر القرار ......ويجب أن يرفع الطعن المشار اليه آنفا خلال الشهرين التاليين لتبليغ القرار المطعون فيه أو نشره......))

واستنادا الى منطوق هذا النص ولاغراض تطبيق أحكامه استوجب التمييز بين نوعين من دعاوى المسئولية المرفوعة أمام الغرفة الادارية المختصة وهما :

1- دعاوى المسئولية التي يرفعها أحد ألافراد .

2-دعاوى المسئولية المرفوعة من غير الافراد



-------------------------------------------------------------

1- د. رياض عيسى ، مقدمة في القانون الاداري الجزائري –دمشق،1987 ،ص115 ومابعدها.



أن شروط النص أعلاه توجب على الفرد الذي يرفع دعوى المسئولية ضد الاشخاص الادارية المحددين في المادة السابعة اعلاه سلوك طريق الطعن في قرار اداري على عكس الدعاوى المرفوعة من غير الافراد كالدعاوى التي ترفع من قبل الاشخاص المعنوية العامة أو الخاصة ، حيث لايشترط فيها مثل هذا الشرط وانما يمكن أن ترفع حتى لو كان الفعل الضار ناشئا عن عمل مادي دون حاجة لاستصدار قرار اداري .

كما أن من نتائج التمييز بحسب صفة رافع الدعوى أن الدعوى المرفوعة من أحد الافراد لايشترط تحريكها بطريق الطعن في قرار اداري فقط وانما يجب أن يسبق هذا الطعن القضائي طعنا اداريا بواسطة التظلم على هذا القرار الاداري امام السلطة الرئاسية لمصدر القرار وفي حالة عدم وجود مثل هذه السلطة يرفع التظلم امام من أصدر القرار خلال شهرين من تاريخ التبليغ بهذا القرار أو نشره.

غير أن المشكلة التي يثيرها هذا النص --عندما علق الطعن القضائي بسلوك الطعن في قرار اداري يسبقه تظلما أداريا على هذا القرار-- تتمثل في تلك الاحوال التي يكون فيها مصدر الفعل الضار عملا ماديا أو عملا قانونيا ليست له صفة وطبيعة القرارات الادارية ، فكيف يمكن للفرد رافع الدعوى تحريك دعوى المسئولية امام الغرفة الادارية المختصة خصوصا وأن النص أعلاه يشترط لتحريك هذه الدعوى أن يتم " بطريق الطعن في قرار اداري وان يسبق هذا الطعن القضائي تظلما أداريا على هذا القرار".

أن الالتزام بحرفية النص يجعل الفرد الذي له مصلحة في تحريك هذه الدعوى عاجزا عن هذا التحريك مالم يوجد قرار اداري يطعن به ويتظلم عليه مسبقا طبقا لاحكام النص القديم المشار اليه سابقا .لهذا فاذا افترضنا ان أحد الافراد اصيب بضرر مادي بسبب قيام الادارة بأشغال عامة ، فكيف يمكن له تحريك مسئولية هذه الادارة عن هذا الضرر الناشئ عن عمل اداري مادي وليس عن قرار اداري . كما انه لو افترضنا ان الفعل الضار كان مصدره عقد اداري وليس قرارا اداريا فكيف يمكن للفرد المتعاقد تحريك مسئولية الادارة عن الاضرار الحادثة بفعل الاخلال بشروط العقد ، هل يتمكن الفرد في الحالتين اعلاه رفع دعوى المسئولية مباشرة دون حاجة الى سلوك طريق الطعن في قرار اداري والتظلم على هذا القرار مسبقا أم أن سلوك هذا الطريق يعتبر شرطا لازما على الفرد رافع الدعوى سواء كان مصدر الفعل الضار قرارا اداريا او عملا ماديا أو عملا قانونيا ليست له صفة القرار الاداري ؟

أن منطوق نص المادة 169 قبل تعديلها لايقبل التأويل ، فهو جاء بصيغة المطلق والمطلق يجري على اطلاقه ، لهذا فأن تحريك دعوى مسئولية الادارة امام الغرفة الادارية المختصة لايتم الا بطريق الطعن بقرار اداري يتظلم عليه رافع الدعوى مسبقا، سواء كان مصدر الفعل الضار قرارا اداريا او عملا ماديا أو عملا قانونيا ليست له صفة القرار الاداري . لهذا فأن تحريك هذه الدعوى من قبل احد الافراد في الاحوال التي يكون فيها الفعل الضار عملا اداريا ماديا او قنونيا لايحمل صفة القرار الاداري يستوجب سلوك طريق استصدار قرار اداري من الجهة الادارية التي تسببت بأحداث الضرر من جراء اعمالها المذكورة، ولايتم ذلك الا من خلال تقديم طلب عادي الى هذه الجهة يطالبها بالتعويض أو اصلاح الضرر الواقع منها ، وفي هذه الحالة قد تستجيب هذه الجهة لتسوية الوضع وتنقضي المسألة بالمصالحة او الاتفاق بدون اللجوء الى القضاء أو ترفض هذا الطلب صراحة أو ضمنا ويعتبر هذا الرفض الصريح أو الضمني بمثابة قرار اداري تم استصداره بناء على طلب الفرد المتضرر . وبعد ان اصبح بحوزة هذا الفرد مثل هذا القرار الاداري يتوجب عليه تقديم التظلم الاداري على هذا القرار خلال شهرين من تاريخ تبليغه به أو نشره اذا كان القرار اعلاه صريحا اما اذا كان القرار بالرفض ضمنيا بأنقضاء ثلاثة أشهر على تقديم طلبه العادي وسكوت الادارة عن الرد خلال هذه المدة فأن سريان ميعاد التظلم يبدأ من تاريخ انقضاء الثلاثة أشهر اعلاه ولمدة شهرين "1" وبهذا الشكل يكون الفرد رافع الدعوى قد حقق شروط المادة 169 المشار اليها . واذا كانت مهمة الفرد رافع الدعوى عسيرة الى حد ما فأن رافع هذه الدعوى من غير الافراد سيجد مهمته أكثر يسرا بتطبيق المادة اعلاه ، حيث ان مفهوم المخالفة للنص اعلاه لايشترط على غير الافراد سلوك ذات الطريق الذي يجب ان يسلكه الافراد الطبيعيين وانما يشترط فقط ، سواء كان مصدر الفعل الضار قرارا اداريا او عملا ماديا






"1"-ان تحديد هذه المدة قد تم قياسه على ماورد في المادتين 169( النص القديم) والمادة 274 من قانون الاجراءات المدنية حيث اعتبر فيهما سكوت الادارة لمدة تزيد على ثلاثة اشهر بمثابة قرار اداري ضمني برفض التظلم .











او عملا قانونيا ليست له صفة القرار الاداري ، تقديم " شكوى " من قبل الجهة المتضررة الى السلطة الرئاسية التي تعلو مباشرة الادارة التي احدثت الضرر او الى الادارة ذاتها المتسببة بأحداث الضرر وذلك قبل رفع الدعوى امام القضاء المختص "1". ويسري ميعاد تقديم التظلم الاداري في الاحوال السابقة على ميعاد تقديم " الشكوى" امام السلطة الادارية المختصة .

وفي كل الاحوال اذا قامت هذه السلطة الادارية المختصة بالرد الصريح برفض التظلم الاداري المقدم من قبل الافراد او الشكوى المقدمة من غير الافراد فأن هذا الرد يعتبر قرارا اداريا نهائيا بالرفض يؤدي الى سريان ميعاد رفع الدعوى اعتبارا من تاريخ التبليغ بهذا القرار او نشره ، اما اذا سكتت هذه السلطة عن الرد الصريح لمدة تزيد على ثلاثة اشهر من تاريخ تقديم التظلم او الشكوى فان هذا السكوت يعتبر بمثابة قرار اداري ضمني بالرفض ويبدأ سريان ميعاد رفع الدعوى اعتبارا من انقضاء مدة الثلاثة اشهر المذكورة كما سنلاحظ فيما بعد.

اذا كانت تلك هي شروط المادة (169 مكرر) قبل تعديلها بموجب قانون رقم 90-23 المشار اليه سابقا فان اثارها السلبية تبرز فيما يأتي :

1- لانجد مبررا معقولا للتمييز بين دعاوى المسئولية المرفوعة من قبل الافراد والدعاوى المرفوعة من غير الافراد والزام الفرد الطبيعي بسلوك طريق الطعن بقرار اداري يتظلم عليه مسبقا قبل رفع الدعوى القضائية بينما لايلزم غير الافراد بمثل هذا الشرط .

2- في دعاوى المسئولية الناشئة عن عمل مادي او عمل قانوني ليست له صفة القرار الاداري يستوجب من الفرد رافع الدعوى القيام بأستصدار قرار اداري ثم التظلم عليه امام السلطة الادارية المختصة خلال المدة القانونية المقررة ثم انتظار الرد الصريح او الضمني لهذه السلطة على التظلم اعلاه حتى يمكن تحريك الدعوى امام الغرفة الادارية المختصة ، وهو امر قد تستغرق اجراءاته فترة طويلة من الزمن تضيع معه حقوق المواطن المتضرر الذي قد يكون بأمس الحاجة الى اصلاح الضرر الواقع بفعل الادارة في زمن قصير نسبيا.بينما في الدعاوى المرفوعة من غير الافراد لايشترط فيها استصدار قرار اداري حتى لو كان مصدر الفعل الضار ليست له صفة القرار الاداري ، فالشكوى المقدمة من غير الافراد وانتظار المدة القانونية للرد على الشكوى صراحة او ضمنا يكفي لتحريك الدعوى امام الجهة القضائية المختصة ، ونعتقد ان هذا الامر ينطوي على تمييز لامبرر له ويخالف مبدأ المساواة امام القضاء.

3- أن المشرع في المادة 169 مكرر قد اشترط تقديم التظلم الاداري السابق على القرار الاداري خلال شهرين من تاريخ التبليغ به أو نشره .

أن هذا الشرط المتعلق بميعاد تقديم هذا التظلم الاداري من قبل احد الافراد يمكن ان يسري في الاحوال التي يكون فيها القرار الاداري المذكور قد صدر بصورة صريحة حيث يمكن تبليغه للمعني بالامر أو نشره حسب قواعد التبليغ والنشر المقررة قانونا، غير ان مثل هذا النص لم يتحدث عن ميعاد تقديم التظلم من أحد الافراد في الاحوال التي يصدر فيها هذا القرار بصورة ضمنية الامر الذي يتعذر معه تبليغ المعني بالامر أو نشر القرار حتى يمكن حساب ميعاد تقديم التظلم الاداري على القرارات الادارية الضمنية . علاوة على ذلك فأن هذا النص أغفل المدة القانونية لتقديم طلب بأستصدار قرار اداري في الاحوال التي يكون فيها الفعل الضار عملا اداريا ماديا ،كما انه أغفل عن النص على ميعاد تقديم الشكوى من غير الافراد في الاحوال التي يكون فيها الفعل الضار ليس من طبيعة القرارات الادارية .



---------------------------------------------------

"1"- ان مصطلح " الشكوى" قد ورد في النص القديم للمادة 169 مكرر ، واستنتجنا التمييز بينه وبين التظلم الاداري من عبارات النص التي تقول (( أن سكوت السلطة المختصة من الرد على شكوى " أو" على طعن ولائي او رئاسي مقدم ضد القرار)). كما ورد هذا المصطلح لاغراض تقديم عريضة الدعوى امام الغرف الادارية في نص المادة 169 قبل التعديل حيث جاء فيها (( ....وتسري على العريضة .......ان تكون مصحوبة بالقرار المطعون فيه او بالمستند المثبت بتاريخ ايداع الشكوى وذلك في الحالة المشار اليها في المادة 169 مكرر........)) وقد الغيت هذه الفقرة الاخير بموجب التعديل اعلاه . فأستخدام هذا المصطلح في هذه المواد يثبت صحة التمييز بين دعاوى المسئولية المقدمة من الافراد وتلك الدعاوى المرفوعة من غير الافراد واختلاف الاجراءات تبعا لذلك في هذا المجال .لذلك فأن تعبير (( لايجوز رفع الدعوى امام المجلس القضائي من أحد الافراد )) الوارد في نص المادة 169 مكرر قبل التعديل يفيد ان المشرع الجزائري قد قصد التمييز المذكور بحسب صفة رافع الدعوى ورتب النتائج المذكورة في المتن .



نعتقد ان تلك الاشكاليات الى جانب الاشكاليات المتعلقة بحساب ميعاد رفع الدعوى – التي سنشير اليها فيمابعد والناشئة عن محتوى نص المادة 169 مكرر من قانون الاجراءات المدنية هي التي دفعت المشرع الى تعديل هذا النص بموجب قانون رقم 90-23 لسنة 1990 المشار اليه سابقا . فهل استطاع هذا التعديل لهذه المادة تلافي المشاكل السابقة .

محتوى تعديل المادة 169 مكرر واثاره

-------------------------------------

نصت المادة المذكورة بعد التعديل اعلاه على أنه (( لايجوز رفع الدعوى الى المجلس القضائي من أحد ألافراد الا بطريق الطعن في قرار أداري .......ويجب أن يرفع الطعن ألمشار أليه أنفا خلال ألاربعة أشهر التالية لتبليغ القرار المطعون فيه أو نشره )).

ان الملاحظات التي يمكن أستخلاصها من هذا النص المعدل يمكن بلورتها بمايلي :

1- أن هذا التعديل أبقى على التفرقة التي أثارها النص القديم بين دعاوى المسئولية التي ترفع من قبل الافراد والدعاوى التي ترفع من غير الافراد ، فأشترط وجوب رفع الدعوى من قبل أحد الافراد عن طريق الطعن بقرار اداري مما يفيد بمفهوم المخالفة للنص بأن الدعاوى المرفوعة من غير الافراد لايشترط فيها هذا الشرط ويمكن رفعها مباشرة الى الغرفة الادارية سواء كان مصدر الفعل الضار قرارا اداريا أو عملا ماديا أو عملا قانونيا ليست له صفة القرار الاداري .

2- أن اشتراط التعديل وجوب تقديم الدعوى الى الغرفة الادارية بالمجلس القضائي بطريق الطعن بقرار اداري يفيد أنه أبقى على عملية أستصدار قرار اداري في الاحوال التي يكون فيها الفعل الضار ناشئا عن عمل مادي أو عمل قانوني ليست له صفة وطبيعة القرار الاداري .

3- أذا كان التعديل المذكور قد أمتاز عن النص القديم بألغائه أجراء التظلم الاداري المسبق واجاز رفع الدعوى مباشرة أمام تلك الغرفة دون حاجة الى أن يسبقها مثل هذا التظلم ، فأن المشكلة التي تثار في هذا الصدد ، بعد أن أشترط وجوب الطعن بقرار أداري ، تتعلق بالمدة القانونية التي يستصدر فيها الفرد قرارا أداريا حتى يتمكن من تحريك الدعوى امام القضاء وكذلك الميعاد القانوني المقرر للادارة للاستجابة الى طلب هذا الفرد في أستصدار القرار الاداري ، حيث لم يشر التعديل الى مثل هذه المدد رغم أهميتها في تحريك دعوى المسئولية الناشئة عن أعمال ألادارة المادية أو الاعمال القانونية التي لم تكتسب صفة وطبيعة القرار الاداري، خصوصا وأن هذا النص قد حدد ميعاد رفع الدعوى اعتبارا من تاريخ التبليغ بالقرار المطعون فيه أو نشره .

وفي معرض تقييمنا لمحتوى التعديل المذكور يمكن القول بأن المشرع قد خفف من أجراءات تحريك الدعوى أمام الغرفة الادارية بالمجلس القضائي عندما ألغى أجراء التظلم الاداري السابق وأجراء الشكوى ، الا أنه لم يقض على كل تلك الاشكاليات التي أثارها النص القديم ،كما أنه لم يحدد موقفه أزاء التظلم الاختياري الذي يمكن أن يتقدم به الفرد أمام جهة الادارة المختصة سواء قبل رفع الدعوى أو أثناء مراحل التقاضي ، حيث كان من الممكن أن يعتبر المشرع تقديم تظلم اداري أثناء مراحل التقاضي سببا موقفا لميعاد رفع الدعوى ، ولكن يبدو أن ألمشرع أستعاض عن التسوية ألادارية الودية بفكرة ألمصالحة بين المتضرر والادارة امام القضاء كما هو وارد في نص المادة( 169 -3 ) من قانون رقم 90-23 المشار اليه سابقا.لذلك لم يعتد بفكرة التظلم الاداري الاختياري امام الادارة، .يضاف الى ذلك أن تشبث التعديل بعملية الطعن بقرار اداري لتحريك الدعوى يجعل المتضرر من عمل اداري لايكتسب صفة وطبيعة القرار الاداري مجبرا على القيام بعملية أستصدار قرار اداري، وهو أمر ليس يسيرا وقد يستغرق وقتا طويلا خصوصا وان التعديل لم يحدد المواعيد القانونية لهذه العملية القانونية . اضافة الى ذلك نشير الى تلك الاشكاليات التي يثيرها التعديل المذكور فيما يخص مواعيد رفع الدعوى أمام الغرفة الادارية بالمجلس القضائي وفقا لما يأتي .



ثانيا- ميعاد رفع الدعوى



تمت الاشارة سابقا الى ان المادة 169 مكرر من قانون رقم 90-23 لسنة 1990 قد نصت على ميعاد رفع الدعوى وحددته بأربعة أشهر من تاريخ التبليغ بالقرار المطعون فيه أو نشره .

أن دراسة هذا النص المعدل الذي جاء بمواعيد جديدة تختلف عما هو مقرر في قانون الاجراءات المدنية قبل هذا التعديل تقتضي بيان أوجه الخلاف بين النص القديم والنص المعدل .















أحتساب ميعاد رفع الدعوى في النص القديم للمادة 169 مكرر.



تنص المادة أعلاه في منطوقها القديم على مايلي (( .......سكوت السلطة المختصة عن ألرد على شكوى أو على طعن ولائي أو رئاسي مقدم ضد القرار مدة تزيد على ثلاثة أشهر يعتبر بمثابة قرار بالرفض ويجوز رفع طعن قضائي في ميعاد شهر من تاريخ أنقضاء الميعاد المذكور .....أذا كانت ألسلطة الادارية المختصة هيئة ذات نظام مداولة فان ميعاد الثلاثة اشهر لايبدأ في هذه الحالة الا من تاريخ قفل اول دورة قانونية تتلو ايداع الطلب .....)),

وأستنادا الى هذا النص تبرز الاشكاليات التالية عند التطبيق :

1- أن هذا النص قد حدد ميعاد رفع الدعوى في حالة واحدة فقط ، وهي حالة سكوت الادارة المختصة عن الرد الصريح على الشكوى او التظلم الاداري المقدم من المعني بالآمر ضد القرار الاداري المطعون به ، حيث يكون لهذا المعني شهرا واحدا يحتسب أبتداء من تأريخ أنقضاء مدة ثلاثة أشهر على تقديم الشكوى أو التظلم يستطيع خلاله رفع الدعوى . اما أذا كانت الهيئة المختصة التي يقدم أمامها التظلم أو الشكوى هي هيئة تداولية فأن ميعاد الثلاثة أشهر تحتسب ابتداء من تاريخ قفل أول دورة قانونية تلي ايداع الشكوى أو التظلم .

بناء على ذلك يكون المشرع الجزائري قد أغفل عن الميعاد القانوني الذي ترفع خلاله الدعوى في حالة الرد الصريح من قبل السلطة المختصة على الشكوى او التظلم المقدم اليها من المضرور .لذلك تسبب هذا الفراغ القانوني في حدوث اختلاف حول كيفية احتساب الميعاد القانوني لرفع الدعوى امام الغرفة الادارية المختصة ،حيث يرى بعض الكتاب ان هذا الميعاد هو شهران "1" وقد استند هؤلاء الى الفقرة الاخيرة من المادة اعلاه التي جاء فيها مايلي(( ويجب أن يرفع الطعن المشار اليه أنفا خلال الشهرين التاليين لتبليغ القرار المطعون فيه أو نشره )) ، بينما نرى أن هذه الفقرة ليست لها صلة بميعاد رفع دعوى المسئولية وانما هي مقررة لآحتساب ميعاد تقديم التظلم الاداري السابق ، ويتضح ذلك من سياق منطوق الفقرة السابقة للفقرة المذكورة اعلاه ، حيث نصت على انه (( لايقبل هذا الطعن " أي الطعن القضائي " الا اذا سبقه طعن أداري عن طريق التدرج الرئاسي يرفع امام السلطة الادارية .......)) اما الفقرة التي نصت على المدة القانونية اعلاه فهي تلي مباشرة الفقرة الخاصة بالطعن الاداري السابق ( أي التظلم ) لذلك قالت (( أن يرفع هذا الطعن المشار اليه ...)) والمشار اليه سابقا هو الطعن الاداري وليس الطعن القضائي . بناء على ذلك يكون المشرع قد أغفل عن النص على المدة القانونية التي ترفع خلالها دعوى المسئولية في حالة الرد الصريح على التظلم او الشكوى المقدمة من قبل المضرور . لذلك نعتقد بصحة القياس في هذه الحالة على المدة القانونية المقررة في حالة الرد الضمني فيصبح احتساب ميعاد رفع الدعوى في حالة الرد الصريح هو شهر واحد ايضا يحتسب ابتداء من تاريخ التبليغ بالرد الصريح او نشره على التظلم او الشكوى مالم يوجد نص صريح يقرر مواعيد خاصة .

2- اذا تم أحتساب مجموع المدد القانونية لتقديم التظلم وانتظار الرد من الادارة المختصة ومدة تقديم الدعوى في الاحوال التي يكون فيها مصدر الفعل الضار هو القرار الاداري فأن المجموع الاقصى يبلغ خمسة اشهر ،أما أذا كان مصدر الفعل الضار عملا ماديا فيضاف الى ذلك المجموع المدة القانونية لاستصدار القرار الاداري، ولذلك قد تستغرق عملية تحريك الدعوى تسعة أشهر ، وهي تعتبر مدة طويلة جدا قد تجعل المضرور متهاونا في تحريكها ويقبل مضطرا بالتسوية الادارية التي تفرضها الادارة عليه.

3- ان هذا النص القديم أحتسب المدد القانونية على أساس ألآشهر وليس على أساس الايام الامر الذي يثير عدة أشكالات في أحتساب هذه المدد.

أن تلك النتائج السلبية الناتجة عن تطبيق النص القديم للمادة 169 مكرر بشأن أحتساب الميعاد القانوني لرفع دعوى المسئولية أقتضى اعادة النظر في هذا المجال ،لهذا جاء تعديل هذا النص بمواعيد جديدة .فهل أستطاع هذا التعديل تلافى تلك المشاكل التي أفرزها النص القديم ؟.








"1" راجع الدكتور عوابدي عما ر –عملية الرقابة القضائيةعلى اعمال الادارةالعامة في النظام الجزائري،ج1،الجزائر 1982-1983،ص140.











ميعاد رفع الدعوى طبقا لتعديل المادة 169 مكرر



نصت المادة أعلاه بعد تعديلها بموجب القانون رقم 90 -23 المشار اليه سابقا على أنه (( لايجوز رفع الدعوى الى المجلس القضائي من أحد الافراد الا بطريق الطعن في قرار أداري ....ويجب أن يرفع الطعن المشار اليه أنفا خلال أربعة أشهر التالية لتبليغ القرار المطعون فيه أو نشره )).

وأستنادا الى هذا النص تترتب النتائج التالية :

1- أن الميعاد القانوني لرفع الدعوى أمام ألغرفة الادارية بالمجلس القضائي أصبحت أربعة أشهر تحتسب من تاريخ التبليغ بالقرار المطعون فيه أو نشره . وبهذا أستطاع هذا النص تلافي طول المدد القانونية الذي أفرز نتائج سلبية لدى تطبيق النص القديم للمادة أعلاه .

2- بموجب هذا التعديل أصبح سريان ميعاد رفع الدعوى يحتسب من تاريخ التبليغ أو نشر القرار الاداري المطعون فيه والذي يعتبر مصدرا للفعل الضار ، وبذلك أصبح من الممكن رفع هذه الدعوى امام القضاء المختص خلال الاربعة أشهر اعلاه أعتبارا من التاريخ أعلاه دون حاجة الى تظلم أداري سابق ضد القرار الاداري .

وعلى الرغم من أيجابيات هذا التعديل الا انه لم يقض على كل تلك المشكلات التي أفرزها النص القديم كما أنه جاء بمشكلات جديدة يمكن أجمالها بمايلي:

1- أبقى هذا التعديل على مسألة أحتساب المواعيد على أساس ألاشهر ولم يأخذ بفكرة أحتساب هذه المواعيد على أساس ألايام .

2- أن التعديل أقتصر تطبيقه على تحديد الميعاد القانوني في الاحوال التي يوجد فيها قرارا أداريا صريحا صادرا عن السلطة الادارية يكون في الامكان تبليغه أو نشره ومن ثم يمكن أحتساب ألاربعة أشهر أعلاه من تاريخ هذا التبليغ أو النشر ، لذلك يصبح من الصعب تحديد بدء سريان هذا الميعاد في الاحوال التي يكون فيها القرار الاداري قد صدر بصورة ضمنية . فأذا أفترضنا أن الادارة أستخدمت سلطتها الضبطية فأتلفت مالا لآحد الافراد بحجة حماية الصحة العامة فأراد هذا الفرد تحريك مسئوليتها المدنية عن هذا الاتلاف ولم يكن بحوزته قرارا اداريا صادرا عن هذه الادارة يطعن به قضائيا استنادا الى نص المادة أعلاه ، وتقدم هذا المتضرر بطلب الى هذه الادارة بقصد أستصدار قرار اداري فلم ترد الادارة على هذا الطلب صراحة ، الامر الذي يتعذر معه تبليغه بقرارها ، ففي هذه الحالة كيف يمكن أحتساب مدة الاربعة أشهر أعلاه لتحريك دعوى المسئولية ، خصوصا وان هذه الدعوى لاتتحرك الا بطريق الطعن في قرار اداري وان الميعاد المذكور لايبدأ سريانه الا من تاريخ التبليغ بالقرار المطعون فيه أو نشره ؟. لذلك نعتقد أن حل هذه الاشكالية يتم عبر ألاعتراف بأن سكوت الادارة لمدة تزيد على ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الطلب اعلاه الى الادارة المختصة محدثة الضرر قرارا اداريا ضمنيا برفض الطلب المذكور ويحتسب الميعاد القانوني لرفع الدعوى اعتبارا من انقضاء الثلاثة اشهر اعلاه ..

3- أن تحديد التعديل المذكور سابقا لبدء سريان ألميعاد أعتبارا من تاريخ ألتبليغ أو ألنشر للقرار الاداري المطعون فيه يثير مشكلتين :

أ- من المعروف أن ألغرض من تبليغ القرار للمعني به أو نشره هو ايصال العلم بمحتوى القرار للمخاطبين به ، غير أن بعض ألمخاطبين بالقرار قد يصل الى علمهم هذا القرار ليس بواسطة التبليغ أو النشر ، لذلك اقتضى الامر الاعتداد بوسيلة العلم اليقيني بالقرار لاحتساب ميعاد رفع الدعوى .لهذا فأن اهمال هذه الوسيلة من قبل التعديل المذكور يعتبر نقصا يجب تلافيه بشكل يسمح للمعنى بالامر من رفع الدعوى امام القضاء المختص من تاريخ العلم اليقيني بالقرار حتى لو تم تبليغه بالقرار في الفترة اللاحقة لهذا التاريخ .

ب- من المتوقع ان تتأخر الادارة أو تهمل في تبليغ القرارات الادارية أو نشرها ، لذلك فأن هذا التاخير او الاهمال سيعرض حقوق المواطن المتضرر من قرارات الادارة الى الخطر ، لهذا يصبح من الضروري اتباع وسيلة العلم اليقيني واحتساب ميعاد ألاربعة أشهر من تاريخ هذا العلم وليس من تاريخ التبليغ أو النشر. كما يكون من المتوقع ايضا أن لايصل التبليغ بالقرارات الادارية الفردية الى علم المخاطبين بها لاسباب كثيرة الامر الذي يبرر تطبيق العلم اليقيني في مثل هذه الاحوال.

ولتقييم التعديل المذكور نرى ضرورة التمييز بين حالتين لهذا الغرض :

1- عندما يكون مصدر الفعل الضار قرارا أداريا صريحا ففي هذه الحالة يمكن تحريك الدعوى خلال ألاربعة أشهر التالية لتبليغ هذا القرار أو نشره او من تاريخ العلم اليقيني به . اما اذا كان القرار الاداري ضمنيا فيمكن تحريك الدعوى خلال الاربعة أشهر ابتداء من تاريخ أنقضاء ثلاثة أشهر على تقديم المعني بالامر طلبا للادارة المختصة حيث يعتبر سكوتها عن الرد على هذا الطلب قرارا اداريا ضمنيا .





2- عندما يكون مصدر الفعل الضار عملا اداريا ماديا او واقعة قانونية فيمكن تحريك الدعوى أعتبارا من تاريخ حدوث الواقعة المادية أو الواقعة القانونية الضارة ، ولاتسقط هذه المدة الا بمضي مدد التقادم الطويل أو المتوسط أو القصير الاجل بحسب كل حالة على حدة .



ثالثا- شرط الصفة والمصلحة

أن رفع دعوى المسئولية يشترط أن تتوافر في رافع الدعوى الصفة والمصلحة وفقا لما تقرره القواعد العامة في هذا ألشأن، حيث نصت المادة( 459) من قانون الاجراءات المدنية الجزائري على أنه (( لايجوز لآحد أن يرفع دعوى أمام القضاء مالم يكن حائزا لصفة وأهلية التقاضي وله مصلحة في ذلك ويقرر القاضي من تلقاء نفسه انعدام الصفة والاهلية كما يقرر من تلقاء نفسه عدم وجود اذن برفع الدعوى اذا كان هذا الاذن لازما)). فالصفة هي القدرة القانونية على رفع الدعوى ويمكن ان يكون صاحب الصفة هو صاحب المصلحة نفسه كما يمكن ان يكون نائبه القانوني أو وكيله ، أما المصلحة المطلوبة لرفع الدعوى فيجب ان تكون مشروعة وقائمة ومباشرة ."1"



رابعا_ عدم تقادم دعوى المسئولية



اذا كانت المادة (169 مكرر ) المعدلة بموجب قانون رقم 90-23 المشار اليه سابقا قد حددت مدة معينة لرفع دعوى ألمسئولية فأن انقضاء هذه المدة يؤدي الى سقوط الحق في رفعها كقاعدة عامة مالم يتم انقطاع أو ايقاف هذه المدة بسبب قوة قاهرة او بسبب طلب المساعدة القضائية او بسبب رفع الدعوى أمام جهة قضائية غير مختصة "2" .ومع ذلك فان ميعاد رفع الدعوى المقرر في المادة اعلاه يتعطل تطبيقه اذا حدد المشرع في نصوص اخرى مدد لتقادم بعض دعاوى المسئولية كما هو حال دعوى المسئولية الناشئة عن الاثراء بلا سبب ، فالمشرع الجزائري قد نص في المادة (142) من القانون المدني على انه (( تقرر مدة سقوط دعوى التعويض عن الاثراء بلا سبب بأنقضاء عشر سنوات ابتداء من اليوم الذي ينشأ فيه هذا الحق )) ، بناء على ذلك فأن تحريك الدعوى يقتضي عدم تقادم الحق في رفعها .



خامسا- عدم تقادم الحق الذي تؤسس عليه الدعوى



لايشترط في تحريك دعوى المسئولية عدم تقادم الحق في رفعها فقط وانما يشترط كذلك عدم تقادم الحق الذي ؤسس عليه هذه الدعوى اذ يجب ان يبقى الحق الشخصي للمضرور قائما وموجودا ولم يسقط بالتقادم المقرر قانونا . ومن المعروف ان تقادم الحق الشخصي للمضرور يمكن ان يكون تقادما طويلا او متوسطا اوقصيرا ، فالتقادم الطويل نصت عليه المادة (308) من القانون المدني الجزائري حيث ورد فيها (( يتقادم الالتزام بأنقضاء خمسة عشر سنة ماعدا مااستثني بنص خاص )) ، ومن امثلة التقادم المتوسط مانصت عليه المادة ((309)) من هذا القانون حيث بموجبها يتقادم بخمس سنوات كل حق دوري متجدد......)) اما التقادم قصير الاجل فيتمثل فيما نصت عليه المادة (( 310)) من هذا القانون )) تتقادم بسنة واحدة حقوق التجار والصناع)).






"1"-على غرار ماهو مقرر في دعوى الالغاء راجع بحثنا في –دعوى الغاء القرارات الادارية في الجزائر ،مجلة الحقوق –جامعة الكويت،العدد الرابع ،1989.



"2"- انظر المواد 237،461 من قانون الاجراءات المدنية الجزائري1966











البند الثاني

نطاق مبدأ مسئولية الدولة



أشرنا سابقا الى ان مبدأ مسئولية الدولة عن تصرفاتها الضارة لم يكن مقبولا حتى أواخر القرن التاسع عشر،ويعود ذلك الى أعتبارات كثيرة من اهمها :

1- الالتزام بالمفهوم المطلق لمبدأ سيادة الدولة على المستوى الداخلي والدولي ، وكان من نتائج ذلك أن الدولة أصبحت غير ملزمة بالخضوع الى القانون كما لايجوز مقاضاتها عن أعمالها ، فهذا المفهوم المطلق يجعل السيادة والمسئولية مبدأين متناقضين لايلتقيان "1".

2- عدم مسئولية الدولة عن أعمال موظفيها بناء على أن العلاقة التي كانت سائدة في ذلك الوقت والتي يرتبط بها الموظف بالدولة هي علاقة عقدية تخضع أحكامها الى عقد الوكالة "2"، ولما كان الموكل بمقتضى هذا العقد لايسأل عن أعمال وكيله الا في النطاق الذي تحدده الوكالة ، لذلك فأن تجاوز هذا النطاق يجعل الوكيل ( الموظف) مسئولا وحده عن التعويض عن أعماله الضارة .

3- أن عدم مسئولية الدولة أرتبط تاريخيا بوظيفة الدولة ونشاطها ، ولما كانت هذه الوظيفة وهذا النشاط محدودين ويقتصران على مهام الامن والنظام العام والدفاع الخارجي لذلك كان المبدأ السائد يتمثل في أن يتحمل المواطنون تبعة نشاط الدولة في هذه المجالات ونتائجه .

غير أن مبدأ عدم مسئولية الدولة لم تبق له سيادته القديمة بل بل بدأ ينهار ويفقد قيادته في بداية القرن العشرين بفعل تظافر عوامل عديدة منها :

1- العدول عن المفهوم المطلق لمبدأ سيادة الدولة سواء على المستوى الداخلي او على المستوى الدولي .

2- تم الاعتراف بمسئولية الدولة عن اعمال موظفيها بعد أن تم الانتقال في تكييف علاقة الموظف بالدولة من العلاقة العقدية الى العلاقة التنظيمية ."3"

3- أزدياد نشاط الدولة وتوسع وظائفها الاجتماعية والاقتصادية ، حيث كان من نتيجة ذلك أزدياد الاعمال الضارة من مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها ، لذلك مارست قوى الضغط الاجتماعي نفوذها على الدولة الليبرالية من أجل أقرار مسئوليتها عن بعض تصرفاتها الضارة

.4- أن تطور مسئولية الدولة هو تطور حقوقي رافق تطور نظام الملكية الخاصة في المجتمع الرأسمالي ، ففي هذا المجتمع يعتبر حق الملكية حقا مقدسا لايحرم منه أحدا الا بتعويض ، لذلك فأن الاضرار التي تصيب هذا الحق بفعل أجراءات وتدابير الدولة يستوجب تعويض المالك المتضرر عن ذلك ، لهذا أصبح مبدأ المسئولية من الامتيازات القانونية المرتبطة بهذا الحق المقدس .

وعلى الرغم من الاعتراف بمبدأ مسئولية الدولة الا ان هذا المبدأ لم يكن شاملا لكل أعمال وتصرفات الدولة بل بقيت الكثير من هذه الاعمال والتصرفات خارج نطاق هذه المسئولية كأعمال السلطة التشريعية والقضائية وبعض أعمال السلطة التنفيذية . لذلك ندرس هذه الجوانب وفقا لمايلي بقصد تحديد نطاق مسئولية الدولة .



اولا- مسئولية الدولة عن أعمال السلطة التشريعية

يميز الفقه الاداري وتطبيقات القضاء الاداري الفرنسي والمصري عند معالجتهما لهذا الموضوع بين الاعمال البرلمانية والتشريعات كمايلي :






"1"- عوابدي عمار –الاساس القانوني لمسئولية الادارة عن أعمال موظفيها- الجزائر-1982-ص10 ومابعدها.

"2"-ونتيجة لذلك فأن المتضررلايجد امامه الا الموظف الذي ارتكب الخطأ فيرفع عليه الدعوى بصفته الشخصية ويقاضيه في ماله الخاص ،وفي أغلب الاحيان يفاجأ المضرور بأعسار الموظف او بحماية المشرع لهذا الموظف فلايسمح بمقاضاته الا بأذن سابق من الادارة ، وهذا مانص عليه دستور السنة الثامنة الفرنسي في المادة 75 منه حيث جاء فيها (( لايمكن مقاضاة موظفي الدولة عمايتعلق بشئون وظائفهم الا بمقتضى قرار من مجلس الدولة ....... )).

"3"- انظر في هذا التكييف وتطوره استاذنا الدكتور شاب توما منصور –القانون الاداري،ج1،1970-1971، ص292 ومابعدها.













(1)- مسئولية الدولة عن الاعمال البرلمانية



يعرف الفقه الاعمال البرلمانية بأنها جميع ألانشطة القانونية والمادية التي تقوم بها هيئات وأعضاء البرلمان أثناء أدائهم وظائفهم مع أستبعاد ألاعمال الصادرة في صورة تشريع عن هذا المفهوم .ويعتبر المبدأ السائد لدى القضاء الاداري هو عدم مسئولية الدولة عن هذه الاعمال البرلمانية ، ويرجع بعض الفقه أساس عدم المسئولية في هذا المجال الى مبدأ الفصل بين السلطات "1"، أذ يرى هذا الفقه أن هذا المبدأ يقرر الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية الامر الذي لايمكن فيه للقضاء مراقبة أعمال البرلمان، كما يرجع فقه اخر هذا الوضع الى أستقلالية العضو البرلماني وحصانة هذا العضو من الرقابة القضائية ، ويقول اخرون ان عدم وجود قاض مختص بنظر قضايا المسئولية عن الاعمال البرلمانية لايؤهل القضاء العادي او الاداري بالفصل في مثل هذه القضايا"2" .

وعلى الرغم من أن القضاء الاداري قد أقر مبدأ عدم مسئولية الدولة عن هذه الاعمال الا انه خرج على هذا المبدأ في بعض تطبيقاته القضائية في الحالات التالية :

1- أذا كان العمل البرلماني يدخل في مفهوم العمل الاداري ، فمصادقة البرلمان على عمل اداري لايرفع عن هذا العمل صفته الادارية ولايجعل لهذه المصادقة أثرا في تغيير صفة هذا العمل أو في تحوله الى عمل برلماني "3".

2- الفصل بين أصدار ألعمل البرلماني وتنفيذه ، لذلك فأن التعويض عن الاضرار يتم لا على أساس أصدار هذا العمل من البرلمان وأنما على أساس الخطأ في تنفيذه .

ونظرا الى الانتقادات الموجهة الى مبدأ عدم مسئولية الدولة عن الاعمال البرلمانية فأن ألمشرع الفرنسي قد أصدر أمرا نظاميا بتاريخ 17 نوفمبر 1958 أجاز بموجبه رفع دعوى المسئولية عن العمل البرلماني في حالتين هما :

1- أذا كانت الاضرار ناشئة عن نشاط مجالس البرلمان في مواجهة المواطنين فيمكن رفع الدعوى أمام ألجهة ألقضائية المختصة .

2- أذا كانت ألاضرار ذات طابع فردي تتعلق بموظفي البرلمان فيختص بها القضاء الاداري .



(2)- مسئولية الدولة عن التشريع



لايزال مبدأ عدم مسئولية الدولة عن التشريع سائدا في معظم الدول ولازال يجد تبريره من قبل الفقه والقضاء الاداريين أستنادا الى ان القانون لايخطئ ومن ثم فأن الدولة غير مسئولة عن الاضرار الناشئة عن اصدار التشريع . وقد تم تبرير ذلك أستنادا الى ذات الحجج القديمة التي تجد مصدرها في الفكرة المطلقة لسيادة الدولة ومبدأ الفصل بين السلطات وغيرها .وقد أضيف الى هذه الحجج حجة أخرى تتمثل في أن ألاضرار التي تسببها التشريعات لاتتوافر فيها الشروط اللازمة للحكم بالتعويض والتي من أهمها الشرط المتعلق بالصفة الخاصة بالضرر الذي يلحق المدعى "4".فالتشريعات هي قواعد عامة مجردة يسري أثرها بالنسبة للمراكز العامة لذلك اذا ترتب عليها ضرر




"1"- للتفصيل راجع الطماوي ،الوجيز في القضاء الاداري،مطبعة عين شمس – 1982 ص 253 ومابعدها.

"2"-وبهذا يقول الطماوي (( بأن السبب الحقيقي لعدم المسئولية يرجع الى عدم وجود قاض مختص ينظر قضايا المسئولية عن الاعمال البرلمانية ))راجع كتابه –القضاء الاداري ،الكتاب الثاني ، القاهرة 1977 ص28 .

"3"- راجع حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 28/5/1948 في قضية (فليه) ، المجموعة ،ص236 . كما سلك نفس المسلك مجلس الدولة المصري بل بالغ الى الحد الذي جعله يقرر بأن أعمال السلطة التنفيذية التي تحتاج الى موافقة البرلمان ويصدر قانون بشأن هذه الموافقة تبقى اعمالا أدارية ، ففي حكمه الصادر في 26/3/1953 قال (( ......أن موافقة البرلمان على طلب الجهات الادارية الغاء الوظائف واستبدالها بغيرها لايغير من طبيعة هذه الاعمال ولايخرجها من رقابة المحكمة ، فأنه لانزاع في أن السلطة التنفيذية هي صاحبة الرأي الاول والاعلى في انشاء الوظائف والغائها واستبدال غيرها بها وفقا لما تقتضيه المصلحة العامة ، وهي أن تصرفت في ذلك في ظل الرقابة البرلمانية فان هذه الرقابة وحتى موافقة البرلمان على أعمال السلطة التنفيذية في شكل قانون عند عرض مشروع الميزانية عليه لا تأثير لها على طبيعة الاعمال الادارية التي أقترحتها الحكومة وضمنتها ذلك المشروع بل تظل هذه الاعمال رغم تدخل البرلمان فيها قرارات ادارية تخضع للرقابة القضائية لجميع قرارات السلطة التنفيذية الادارية الداخلة في ولاية هذه المحكمة ......)) مجموعة احكام المجلس ،س7،ص566.

“4”- Andre` De Laubade`re- Traite` de droit administrative.vol 1er.8e`dit.1980.p 739.



عام لايصيب اشخاصا بذواتهم فأن مثل هذا الضرر لايتم تعويضه"1" ،كما أن شرط الخطأ الذي تقوم عليه المسئولية لايمكن نسبته الى المشرع ، وطالما لايوجد خطأ فلا مسئولية .

وعلى الرغم من ذلك فأن هنالك أعتبارات كثيرة أولى لها الفقه والقضاء الاداريان أهمية خاصة وجعلها جديرة بالرعاية وقرر المسئولية بشأنها ، وتتمثل تلك الاعتبارات في تلك ألاسباب والدوافع التي تتصل بحماية الملكية الخاصة والمبادئ الاساسية التي يؤسس عليها الاقتصاد الرأسمالي . فهذا الفقه والقضاء يقرران بأنه اذا تم ألتسليم بعدم مسئولية الدولة عن ألتشريع فأنه يجب أن تؤخذ بعض الحالات بالرعاية ، فأصدار قانون بتحريم صناعة من الصناعات أو بمنع مزاولة عمل معيّن لاضرر منه أو أحتكار الدولة لصناعة أو تجارة معينة أو تأميم بعض الانشطة ، فأن هذا القضاء الاداري يرى من العدالة تعويض المتضررين من هذه التشريعات "2". وبناء على هذا التوجه القضائي طرحت عدة اراء فقهية بصدد هذا الموضوع " 3". حيث يرى أحد الفقهاء (جورج سل ) بأنه يجب التمييز بين القوانين ألاساسية والقوانين الفرعية لهذا الغرض ، فالقانون الاساسي هو ذلك التشريع الذي يضع قواعد عامة أصيلة ومبتدأة كالقانون الذي يحرم صناعة من الصناعات بالنسبة للجميع فلا مسئولية عن مثل هذه القوانين الاساسية ، أما أذا كان القانون تشريعا فرعيا ينظم نشاطا موجودا من قبل كالقانون الذي يصدر بتحويل صناعة معينة الى أحتكار الدولة أو العكس فأن المسئولية تقوم بشأنها . غير أن هذا الرأي قد أنتقد من حيث عدم وجود معيار دقيق وثابت يميز بين مايدخل في مفهوم القوانين الاساسية ومايدخل في مفهوم القوانين الفرعية كما أن هذا التمييز يعتبر تحكميا في مجال المسئولية . لذلك ذهب رأي آخر (هوريو) الى القول بأن مجال تطبيق مسئولية الدولة عن التشريع ينحصر في الاحوال التي يكون فيها مجالا لتطبيق نظرية ألاثراء بلا سبب، فمتى أصدرت الدولة تشريعا يحقق أثراء لحساب الدولة ونتج عن ذلك أضرار بالمواطنين فأنه يجوز لهؤلاء طلب التعويض، كما لو أصدرت الدولة قانونا تحتكر فيه صناعة معينة لحسابها وترتب على ذلك أغلاق بعض المصانع فأن أصحاب هذه المصانع يمكنهم المطالبة بالتعويض على أساس ألاثراء بلا سبب. الا ان هذا الرأي أنتقد هو الاخر من حيث أنه يخرج على المبادئ المعروفة في نظرية الاثراء بلا سبب . ويتزعم الفقيه (ديجي) وجهة نظر أخري حيث يرى وجوب ألتمييز بين نوعين من ألتشريعات ، تشريعات تمنع أنشطة ضارة بالمجتمع كتحريم البغاء وأندية القمار ، وفي هذه الحالة لا مسئولية على الدولة عن مثل هذه التشريعات وذلك على أساس أن مثل هذه الانشطة غير جديرة بحماية المجتمع اما النوع الاخر من التشريعات فهي تلك التي تمنع أنشطة غير ضارة بالمجتمع ، ففي مثل هذه الاحوال يجب تقرير المسئولية عنها بأعتبار أن مثل هذه الاحوال هي أقرب الى حالة نزع الملكية للمنفعة العامة .






"1"- وقد أخذ القضاء الاداري المصري بهذه الحجج لتبرير عدم مسائلة الدولة عن اعمالها المشرعة ففي حكم لمحكمة القضاء الاداري الصادر في 3/3/1957 ،س11،ص239 ورد مايلي (( أن المبدأ المسلم به كقاعدة عامة عدم مسائلة الدولة عن أعمالها المشرعة لان التشريع يجب ان تكون له الكلمة العليا في تنظيم المجتمع عن طريق وضع القواعد العامة المجردة ، فأذا ماترتب على التشريع ضرر لبعض المواطنين فان الصالح العام يقتضي ان يتحملوا عبء ذلك ، ومبدأ عدم مسئولية الدولة عن النشاط التشريعي وعما قد تسببه القوانين من اضرار هو مبدأ تقليدي يقوم على مبدأ سيادة الدولة ، ومن خصائص السيادة انها تفرض سلطاتها على الجميع دون أن يكون لاحد أي حق في التعويض عنها ، اذ أن الضرر الذي تسببه القوانين لاتتوفر فيه الشروط اللازمة للحكم بالتعويض وأهمها الخصوصية ولان القوانين وهي قواعد عامة مجردة يقتصر اثرها على تغيير المراكز القانونية العامة واذا ترتب عليها ضرر عام لايصيب أشخاصا بذواتهم فأن مثل هذا الضرر لايعوض عنه مالم يقرر القانون صراحة منح التعويض لمن يضار من صدوره فاذا سكت المشرع عن تقرير هذا التعويض كان ذلك قرينة على انه لايترتب على التشريع أي تعويض )).

"2"-د. محمد مدني – مسئولية الدولة عن أعمالها ألمشرعة – رسالة دكتوراة،القاهرة،1952. وايضا الطماوي –القضاء الاداري ،1977 ،مرجع سابق،ص41 ومابعدها.

"3"-الطماوي – مرجع سابق،ص41 ومابعدها. كما انظر عبد القادر باينة – تطبيقات القضاء الاداري بالمغرب،مرجع سابق،ص 96-97 .













وقد جرى العمل القضائي لدى القضاء الاداري الفرنسي على التمييز بين حالتين بخصوص المسألة التي نحن بصددها وهما "1":

الحالة الاولى :- عندما يوجد نص صريح في القانون سواء بدفع التعويض أو عدم دفعه فأن القضاء ملزم بتطبيق هذا النص .

الحالة الثانية :- عندما يسكت المشرع عن تقرير المسئولية ، ففي هذه الحالة يقرر القضاء الاداري قيام هذه المسئولية اذا توفرت الشروط التالية :"2"

1- عند عدم وجود أعتراض من المشرع على التعويض سواء كان هذا الاعتراض صريحا أو ضمنيا .

2- أن تكون المصالح المتضررة من جراء أصدار التشريع مشروعة .

3- ان يتحقق في الضرر الحاصل شروط خاصة الى جانب الشروط العامة ، فالشروط العامة تتمثل في أن يكون هذا الضرر مؤكدا ،محققا ،حالا وممكنا . اما الشروط الخاصة فتتمثل في أن يكون الضرر جسيما وان يكون خاصا بالمدعي وليس ضررا عاما كما يجب أن يكون هذا الضرر مباشرا. وبموجب هذه الشروط الخاصة بالضرر المقررة من قبل القضاء الاداري فأن ألحصول على التعويض عن الاضرار الناشئة بفعل التشريعات سيكون أمرا ليس يسيرا.



مدى مسئولية الدولة عن أعمال الهيئة ألتشريعية في الجزائر



في هذه المسألة لم نعثر على نص دستوري أو تشريعي يقرر مسئولية الدولة عن الاعمال البرلمانية والتشريعات ، لهذا يبقى المبدأ العام السائد في هذا المجال هو عدم مسئولية الدولة مالم يقرر نص صريح بخلاف ذلك ، فأذا وجد مثل هذا النص فأن القاضي ملزم بتطبيقه كما في حالة نزع الملكية للمنفعة العامة حيث نص الدستور الجزائري لسنة 1976 في المادة (17) منه والتي تقابلها المادة (20) من دستور 1989 حيث ورد فيهما (( أنه لايتم نزع الملكية الا في أطار القانون ويترتب عنه أداء تعويض عادل ومنصف )). غير أن التساؤل يبقى قائما وهو هل يفسر سكوت المشرع على أنه قبول بأقرار هذه المسئولية أم أنه يفسر على أنه رفض ضمني لمسئولية الدولة في هذا المجال؟ ان جواب هذا السؤال يقتضي ابداء الملاحظات التالية :

لانعتقد هنالك ضرورة للتمييز بين الاعمال البرلمانية والتشريعات في الجزائر على غرار ماجرى العمل به في فرنسا ومصر وذلك لان التشريع هو جزء من العمل البرلماني، وبما ان الاعمال البرلمانية ليست جميعها اعمالا تشريعية وانما يمكن ان يتخذ العمل البرلماني صفة وطبيعة الاعمال الادارية في بعض الحالات، خصوصا في علاقة الهيئة البرلمانية بموظفيها وعمالها، كما يمكن ان يتخذ العمل البرلماني صفة وطبيعة الاعمال المادية ، لذلك نرى

وجوب التمييز بين الاعمال البرلمانية ذات الطابع الاداري والمادي من جهة والاعمال البرلمانية التي تتخذ صفة وطبيعة التشريع من جهة اخرى ، فالاعمال من النوع الاول والتي يقوم بها اعضاء وهيئات البرلمان لاتختلف في طبيعتها عن الاعمال الادارية والمادية التي تمارسها هيئات الدولة الاخرى لذل فان تقرير المسئولية بشأنها يخضع




1- راجع محيو،المنازعات الادارية –الجزائر-1983 ،ص230-231

2- بهذا الخصوص قرر حكم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 14-01-1938 في قضية شركة منتوجات الالبان (لافلوريت)والذي تتلخص وقائعه في ان المشرع الفرنسي اصدر قانونا في 29-6-1934 يتضمن تحريم صناعة (الكريمة ) الا من الحليب الخالص بنسبة 100% وكان الغرض من القانون هو حماية منتجي الحليب وترتب على صدور هذا القانون ان اضطرت الشركة اعلاه الى التوقف عن العمل حيث كانت تنتج نوعا من الكريمة يتكون من خليط من الحليب بنسبة 70% والزيت النباتي وصفار البيض بنسبة 30% وتحملت من جراء ذلك خسارة جسيمة ولما تقدمت الشركة للمطالبة بالتعويض خرج مجلس الدولة الفرنسي لاول مرة على قضائه السابق وقرر ان سكوت المشرع لايعني بالضرورة رفضه لمبدأ التعويض واستند الى قاعدة المساواة امام التكاليف العامة للتوصل الى الحكم بالتعويض لان النشاط يحقق الصالح العام على نحو اكمل فيجب ان تتحمل الجماعة اعباء ذلك لا ان يقع الغرم كله على عاتق الشركة .....لمراجعة هذا الحكم انظر الطماوي –القضاء الاداري 1977 –مرجع سابق ص44. بينما بقى القضاء المصري ملتزما بمسلك مجلس الدولة الفرنسي المقرر قبل الحكم اعلاه حيث يعتبر سكوت المشرع في هذا المجال قرينة على انه رفض لقيام المسئولية في هذا الصدد .راجع حكم محكمة القضاء الاداري المشار اليه سابقا والصادر في 3-3-1957.











الى المبادئ العامة للمسئولية المقررة في هذا الخصوص بما لايتعارض مع الحصانة البرلمانية "1". أما الاعمال البرلمانية من النوع الاخر والتي تتخذ صفة وطبيعة التشريع فاننا نرى بأن تقرير المسئولية بشأنها يقتضي التمييز بين حالتين في ضوء احكام دستور 1989 وهما :

الحالة الاولى : اذا كان التشريع الصادرعن البرلمان دستوريا فأن المسئولية بشأنه تبقى خاضعة الى المبدأ التقليدي المتمثل بعدم مسئولية الدولة عن التشريع مالم يوجد نص صريح بخلاف ذلك "2"، وذلك على أساس أن التشريع يبقى من حيث طبيعته كقواعد عامة مجردة غير موجهة الى أشخاص معينين بذواتهم وهو لايمس مراكز شخصية ذاتية وانما يمس مراكز قانونية عامة ، وعلى هذا الاساس فأن أصدار تشريع معين مطابقا لقواعد الدستور لايجعل هذا الاصدار خطأ يستوجب مسئولية الدولة وانما قد ينتج الخطأ وينشأ الضرر من خلال تطبيق التشريع وتنفيذه ، وبما ان عملية تطبيق وتنفيذ التشريع هي من مهمات الادارة والقضاء فأن المسئولية عن مثل هذه الاخطاء والاضرار لاتقع على الدولة نيابة عن السلطة التشريعية وانما تقع على الدولة نيابة عن الادارة والقضاء وتخضع في هذا الشأن الى القواعد المقررة بشأنها .

الحالة الثانية :- اذا كان التشريع الصادر عن البرلمان غير دستوري ، ففي هذه الحالة تكون الدولة مسئولة عن الاضرار التي يحدثها هذا التشريع بعد ان يحكم بعدم دستوريته من قبل الجهة المختصة ، وذلك على اساس ان مبدأ عدم مسئولية الدولة عن التشريع مقرر للتشريعات التي تستوفي الشروط الدستورية المقررة وتتطابق مع احكام الدستور ، لهذا فان اصدار تشريع غير دستوري يشكل بحد ذاته خطأ يستوجب المسئولية أذا أحدث ضررا بأحد الاشخاص من جهة ومن جهة أخرى فأن الحكم بعدم دستورية التشريع تؤدي الى انعدام هذا التشريع ويتحول العمل التشريعي غير الدستوري الى عمل مادي يمكن مسائلة الدولة عنه وان كان صادرا عن هيئة البرلمان .









ثانيا- مسئولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية



أن أغلب التشريعات المعاصرة تحيط القضاء بضمانات فعالة بقصد تحقيق العدل وأداء وظيفته على أكمل وجه ، لهذا تقرر استقلال القضاء الذي يجعل القاضي متحررا من أي تدخل أو تأثير من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة وخضوعه الى القانون فقط من جهة ثانية . وقد أكد الدستور الجزائري لسنة 1989 هذا المبدأ في المادة (129) منه، كما نصت عليه المادة الخامسة من القانون الاساسي للقضاء لسنة 1969 حيث جاء فيها (( يستفيد القضاة أثناء تأديتهم بحرية لوظيفتهم في خدمة الشعب والثورة من حماية السلطة ضد كل تدخل في مهامهم ))، وتم التأكيد على هذا المبدأ في المادة (18) من القانون الاساسي للقضاء لسنة 1989 حيث جاء فيها (( القاضي محمي من كل أشكال الضغوط والتدخلات التي قد تضر بأداء مهمته ونزاهة حكمه طبقا لاحكام المادة 139 من الدستور )) .ولغرض تأمين هذا الاستقلال نص الدستور والقانون المشار اليهما اعلاه على مجموعة من المبادئ التي تبين أسس تعيين وتكوين القضاة وأسس حصانتهم المادية والمعنوية .

وعلى الرغم من أعلان المشرع الدستوري لمبدأ أستقلال القاضي الذي يسمح لهذا الاخير بأصدار الاحكام القضائية واتخاذ الاعمال القضائية دون ضغط أو تأثير الا انه يمكن أن تقع منه بعض الاخطاء التي تسبب ضررا للمواطنين ،كما لو حكم القاضي على أحد المتهمين بعقوبة جنائية ثم تظهر لاحقا أدلة جديدة تبرأه كما يمكن ان يقوم القاضي بعملية غش يترتب عنها نتائج ضارة وكذلك يمكن ان تمارس هيئات الضبط القضائي أجراءات معينة خاطئة ينتج عنها اضرار بأحد المواطنين ، فهل تسأل الدولة عن هذه الاضرار الحادثة بفعل الاعمال القضائية ؟.






1- بهذا تأخذ الغرفة الادارية بالمجلس الاعلى في المغرب حيث قررت في حكمها الصادر بتاريخ 24 يناير 1975 في قضية شركة التأمين ومجلس النواب ، مسئولية الدولة عن الاضرار التي لحقت نائبا برلمانيا بسبب حادثة سير وقعت له في الطريق الرابط بين وجدة والدار البيضاء اثناء قيامه بمهمة برلمانية .... عن عبد القادر باينة – تطبيقات القضاء الاداري بالمغرب ،مرجع سابق ،ص101.

2- كما هو الحال في الفقرة اولى من المادة 97 من قانون الثورة الزراعيةالجزائري لسنة 1971 التي اجازت تعويض المالك الخاص للارض الزراعية التي يشملها تدبير التأميم وفقا للقانون .ـ









أذا رجعنا الى ماتقرره أحكام ألقضاء الاداري الفرنسي والمصري في هذا الصدد سنجد أن القاعدة العامة تتمثل في ان الدولة غير مسئولة عن أخطاء القضاء الا أذا نص ألمشرع على خلاف ذلك صراحة ، وذلك في الاحوال التي ينسب فيها الخطأ الى الوظيفة القضائية أو العمل القضائي الذي يمارس من قبل اعضاء الهيئة القضائية ، غير ان هنالك مسئولية شخصية لهؤلاء الاعضاء . لذلك سنحاول دراسة هذا الموضوع على النحو التالي :

(1)- نطاق العمل القضائي في مجال المسئولية

أن مفهوم العمل القضائي الذي يدخل في مجال موضوع المسئولية يشمل كافة أعمال القضاء مهما كانت طبيعة هذا القضاء ونوعه ، سواء كان قضاءا أداريا أو عاديا ، استثنائيا أو غير أستثنائي ، شاملا أو متخصصا . كما يدخل في هذا المفهوم جميع الاحكام القضائية بمعناها الفني والاعمال الولائية كالاوامر على العرائض والاعمال التحضيرية للاحكام والاعمال المتعلقة بتنفيذها كما يدخل في ذات المفهوم أعمال النيابة العامة المتعلقة بالاتهام والتحقيق والقبض والمصادرة والحبس الاحتياطي وكل مايتعلق بالوظيفة القضائية للنيابة كما يشمل ايضا أعمال الضبط القضائي وتدابيره.

(2)- عدم مسئولية الدولة عن الاخطاء القضائية



لقد سبقت الاشارة الى ان القاعدة المقررة في هذا الشأن بحسب أحكام القضاء الاداري تتمثل في عدم مسئولية الدولة عن الاخطاء القضائية ، وتكمن مبررات هذه القاعدة كما يطرحها الفقه الاداري بمايأتي : "1"

أ- أستقلالية الهيئة القضائية عن الحكومة ، أذ يقرر القضاء الاداري ان الاعتراف لهذه الهيئة بالاستقلال يجعل الحكومة غير مسئولة عن الاعمال القضائية الضارة وذلك على أساس عدم وجود رابطة تبعية بين القضاة والحكومة .

أن هذه الحجة منتقدة أستنادا الى ان القضاء الاداري قد أختلط عليه الامر في هذا الشأن، حيث ان المسألة التي نحن بصددها تتعلق بمسئولية الدولة وليس بمسئولية الحكومة ، كما أن رابطة التبعية بين القاضي والدولة متوافرة على غرار العلاقة الوظيفية بين الموظف العام والدولة .

ب- أن أقرار مسئولية الدولة عن ألاحكام القضائية يتعارض مع حجية الاحكام الصادرة التي تتمتع بقوة الشئ المقضي به حيث يفترض في ان الحكم القضائي يجب أن يكون مستقرا بشكل نهائي اذ لو سمح للافراد بأقامة مسئولية الدولة عن الاحكام القضائية فأن ذلك يعد أثارة للمنازعات من جديد وهو مايتعارض مع طبيعة الحكم القضائي وقوة الشئ المقضي به التي يتمتع بها .

غير ان هذا التبرير يمكن نقده من عدة وجوه ، حيث توجد من الاعمال القضائية مالايتمتع بحجية ألشئ المقضي به كأعمال النيابة العامة والاعمال المتعلقة بالحبس الاحتياطي واجراءات التفتيش القضائي وغيرها. كما أن قوة الشئ المقضي به لاتمنع أو تحول دون قيام مسئولية الدولة في بعض الاحوال كما في حالة الاحكام القضائية الصادرة بالبراءة حيث يمكن الاستناد اليها للمطالبة بالتعويض دون التعرض الى حجية الحكم.

ج- يقول بعض الفقه أن ألمسئولية تؤدي الى زيادة أعباء القاضي وقد تعرقل العمل القضائي الذي يقوم به خوفا من المسئولية ، ومع أهمية هذه الحجة الا أنها تفتقد الى الاقناع لانه أذا كان يمكن استخدام هذا التبرير في مجال المسئولية الشخصية للقضاة الا انه لايمكن قبوله في مجال مسئولية الدولة عن أعمال القضاء الخاطئة .

أن تلك الحجج والتبريرات التي قدمها الفقه الاداري ليست مقنعة او قاطعة لاستبعاد مسئولية الدولة عن الاخطاء القضائية ، لهذا أذا كانت القاعدة العامة على ساحة القضاء الاداري هي عدم مسئولية الدولة الا بنص صريح فأن هنالك عدد من الاستثناءات على هذه القاعدة وجدت لها تطبيقات في بعض أحكام هذا القضاء في فرنسا ومصر والتي تتمثل بمايلي :

أ- يمكن مسائلة الدولة في الاحوال التي يقرر فيها التشريع حق طلب التماس بأعادة النظر ببعض الاحكام القضائية الجنائية النهائية والمتمثلة بمايلي :

1- أذا صدر حكم على متهم في جريمة قتل ثم تبين أن المجني عليه لم يقتل.






1- راجع دي لوبادير ، المرجع السابق ، ص74 . الطماوي ، المرجع السابق ، ص53 ومابعدها. وبعكس ذلك كان التشريع المدني السوفيتي يقرر مسئولية الدولة عن أخطاء الهيئات القضائية وفقا للحالات والحدود التي يعالجها القانون ، انظر المادة (89) من أسس التشريع المدني السوفيتي لسنة 1961 ،دار التقدم ، موسكو، 1974 ترجمة ثروت الاسيوطي. ولغرض التفصيل في الموضوع ومتابعة تطوراته راجع د. رمزي الشاعر – المسئولية عن أعمال السلطة القضائية – ط2 ،دار النهضة العربية، 1983 ص155 ومابعدها.





2- اذا صدر حكمان متعاقبان على شخصين أو أكثر أسند فيهما لكل منهما ذات الفعل المسند الى الاخر وتضمن هذان الحكمان تناقضا يصلح لأن يكون دليلا على براءة احد المحكوم عليهم .

3- أذا صدر حكم قضائي مستند الى شهادة زور أحد الاشخاص وأثرت هذه الشهادة على المتهم جنائيا .

ففي كل تلك الحالات يقرر القضاء الاداري مسئولية الدولة عن أعمال القضاء واخطائه "1".



ب- تقرير مخاصمة القضاة من قبل بعض التشريعات حيث تسأل الدولة عن أخطاء القضاء في حالة المخاصمة ، وقد وجدت هذه الحالة تطبيقا لها في الجزائر كما سيأتي بيانه.



(3)- المسئولية الشخصية للقضاة

في الواقع أن أغلب ألتشريعات لاتمنع من قيام مثل هذه المسئولية الشخصية، غير أن أهمية عمل القاضي والخوف الكبير من الكيد به أستوجب أحاطة هذه المسئولية بشئ من الضمانات تتمثل بتحديد أجراءات معينة من الواجب أتباعها في مخاصمة القاضي وتحديد أسباب هذه المخاصمة ووضع ضمانات فعلية لدعوى المخاصمة كما هو الحال في القانون الفرنسي الصادر في 7 /2/1933 والتعديل الوارد على قانون الاجراءات المدنية بموجب قانون 5/7/1972 "2" وقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري في المواد 494-500 والقانون المغربي للاجراءات المدنية ."3".

وعلى الرغم من جواز مخاصمة القاضي واقرار مسئولية الدولة في دفع التعويض المحكوم به على القاضي ومن ثم اعطائها حق الرجوع على هذا القاضي فأن بعض الفقه يرى أن دعوى المخاصمة وان كانت دعوى تعويض الا ان الغرض الرئيسي منها هو الوصول الى بطلان الحكم الذي أصدره القاضي المخاصم، ولذلك اعتبرها البعض طريقة من طرق الطعن غير العادية بالاحكام القضائية وضعها المشرع لحماية المتقاضين من القاضي الذي يخل بواجباته أخلالا جسيما. بينما يرى البعض من الفقه أنها دعوى مسئولية تهدف الى تعويض الخصم المضرور من عمل القاضي المخاصم ، في حين ذهب أخرون الى القول بأنها دعوى تأديبية يقصد منها دمغ القاضي بالتدليس أو الغش أو الخطأ الجسيم . وفي الواقع أن دعوى المخاصمة رغم انها تشمل كل ماقيل اعلاه الا ان المشرع قد غلب فيها معنى التعويض عن الاعمال الضارة التي يرتكبها القاضي وهي دعوى مسئولية على الرغم من خصوصية أجراءاتها وقواعدها"4".



(4)- مدى مسئولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية في الجزائر



عالج التشريع الجزائري مسئولية الدولة عن اعمال القضاء حيث نص على ان الدولة يمكن ان تحل محل القضاة في هذه المسئولية في حالات ثلاث هي الخطأ القضائي ومخاصمة القضاة وانتهاك حقوق وحريات الافرادوفقا لمايلي:

الحالة الاولى- الخطأ القضائي :



نص الدستور الجزائري لسنة 1976 في المادة (47) منه على أنه (( يترتب عن الخطأ القضائي تعويض من الدولة ))، وأشار الى ان القانون سيحدد ظروف التعويض وكيفيته ، وتأكد هذا النص في الدستور الصادر عام 1989 في المادة (46) منه .

وبناء على ذلك يمكن القول أن التشريع الجزائري قد خرج على المبدأ العام السائد في دول النظام القانوني






1- لقد تم اقرار هذه المسئولية في الحالات اعلاه في فرنسا بموجب قانون 8/6/1895 وطبقها القضاء الفرنسي نزولا عند ضغط الرأي العام في بعض القضايا واورد الفقيه فالين في مطوله في القانون الاداري لسنة 1963 ص910 بعض الاحكام في هذا الصدد ومن بينها تعويض احدى الفرنسيات التي حكم عليها خطأ بالاشغال المؤبدة وتجريدها من حقوق المواطنة ومصادرة أموالها . كما انظر بعض الاخطاء القضائية التي وقع فيها القضاء الفرنسي وأثر الرأي العام في أصلاحها في كتاب خليل جريح –محاضرات في نظرية الدعوى ، بيروت ، 1980 ص44 ومابعدها .

-2-Lombard(M)-La responsabilite` de la function juridyctionnelle et la loi du 5 juillet1972 ,R.D.P.1975,p 585

3- في المغرب انظر عبد القادر باينة ،مرجع سابق، ص 108-109

للتفصيل احمد ابو الوفا –المرافعات المدنية والتجارية- ط2 ،1953 ص 58 ومابعدها.-4 - المزدوج كفرنسا ومصر حيث أصبح مبدأ مسئولية الدولة عن أخطاء القضاء هو المبدأ العام وهو مبدأ دستوري لايجوز الاستثناء عليه بقاعدة تشريعية عادية وانما تنحصر وظيفة هذه القاعدة على تحديد شروط التعويض وطرق استحصاله فقط . وبناء على المادة (47) اعلاه صدر القانون رقم 86-05 في 4 مارس 1986 حدد بموجبه شروط التعويض وكيفيته، حيث نصت المادة (531) مكرر منه على انه (( ان قرار المجلس الاعلى (المحكمة العليا) المصرح ببراءة المحكوم عليه يمنح لهذا الاخير أو لذويه حقوقه في التعويضات من الضرر المعنوي والمادي الذي تسبب فيه حكم الادانة ، ويقبل طلب التعويض المقدم من المحكوم عليه أو ذوي حقوقه في كل مراحل اجراء التماس أعادة النظر ))، وتنص ذات المادة اعلاه على انه (( تتحمل الدولة التعويضات الممنوحة لضحية الخطأ القضائي أو لذوي حقوقه ومصاريف الدعوى ونشر القرار القضائي وأعلانه ، ويحق للدولة الرجوع على الظرف المدني او المبلغ او الشاهد زورا الذي تسبب في أصدار حكم الادانة)).

ويبدو من النصوص أعلاه ان هذا القانون قد حدد نطاق الخطأ القضائي الذي تسأل عنه الدولة في الحالات التي يحق فيها طلب التماس اعادة النظر بأحكام المجالس القضائية أو المحاكم التي تحوز على قوة الشئ المقضي به وكانت تقضي بالادانة في جناية أو جنحة وذلك طبقا لاحكام المادة (125) مكرر من القانون ذاته. وهذه الاحوال التي ذكرها القانون هي نفس الاستثناءات التي قررها القضاء الاداري الفرنسي على مبدأ عدم مسئولية الدولة عن اعمال القضاء التي اشرنا اليها سابقا . وهنا يطرح التساؤل هل ان الدولة في الجزائر لاتسأل عن جميع الاخطاء القضائية في غير الحالات المذكورة اعلاه ، واذا أجبنا بالايجاب فلماذا أقر ألمشرع الدستوري هذه المسئولية عن الخطأ القضائي وجعلها مبدأ عاما ؟ كما ان هذا المشرع لو اراد تحديد هذه المسئولية في هذا النطاق الضيق الذي رسمه القانون اعلاه فكان الاجدر به ان يذكر ذلك في النص الدستوري ويبين ان القانون هو الذي يحدد حالات هذه المسئولية بينما نجد ان النص الدستوري لم يمنح القانون مثل هذا الاختصاص في تقييد القاعدة الدستورية كما لم يمنحه صلاحية تحديد حالات الخطأ القضائي الذي تسأل عنها الدولة بل احال هذا النص الدستوري صراحة الى التشريع مهمة تحديد (شروط التعويض وكيفياته) فقط ، لذلك نرى ضرورة أزالة مثل هذا التناقض والتعارض والتمسك بالنص الدستوري الذي جعل من مسئولية الدولة عن اخطاء القضاء مبدأ عاما .



نهاية الجزء الاول
سيتم نشر باقي الأجزاء في الأعداد القادمة إن شاء الله

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى